القاضي التنوخي
253
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
قال : فحين قلتها سجد الرشيد ، فوقع لي إنّه قد رأى بعض أولاده الذكور على ذلك ، وإنّ الذي أشار إليّ بالاستغاثة ، هو الابن الزاني . قال : ثم رفع رأسه ، فقال : ومن أين قلت هذا ؟ قلت : لأنّ النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، قال : ادرؤوا الحدود بالشبهات ، وهذه شبهة يسقط الحد معها . فقال : وأي شبهة مع المعاينة ؟ قلت : ليس توجب المعاينة لذلك أكثر من العلم بما جرى ، والحكم في الحدود لا يكون بالعلم . قال : ولم ؟ قلت : لأن الحدّ حقّ اللَّه تعالى ، والإمام مأمور بإقامة الحدّ ، فكأنّه قد صار حقا له ، وليس لأحد أخذ حقّه بعلمه ، ولا تناوله بيده ، وقد أجمع المسلمون على وقوع الحدّ بالإقرار والبيّنة ، ولم يجمعوا على إيقاعه بالعلم . قال : فسجد مرّة أخرى ، وأمر لي بمال جليل ، ورزق في الفقهاء في كل شهر ، وأن ألزم الدار . قال : فما خرجت ، حتى جاءتني هديّة الفتى ، وهديّة أمّه ، وأسبابه ، فحصل لي من ذلك ، ما صار أصلا للنعمة ، وانضاف رزق الخليفة ، إلى ما كان يجريه عليّ ذلك القائد . ولزمت الدار ، فكان هذا الخادم يستفتيني ، وهذا يشاورني ، فأفتي وأشير ، فصارت لي مكنة فيهم ، وحرمة بهم ، وصلاتهم تصل إليّ ، وحالتي تقوى . ثم استدعاني الخليفة ، وطاولني ، واستفتاني في خواصّ أمره ، وأنس بي . فلم تزل حالي تقوى معه ، حتى قلَّدني قضاء القضاة .